القائمة إغلاق

تحت الأضواء

تحت الأضواء
doaa.ahmed
Sat, 10/30/2021 – 07:50

بابتسامة مرسومة على الشفاه بحرفية صانع خزف، دخلت السيدة زوجة حضرة المحترم السيد المدير العام متأبطة ذراعه، يسبقها لمعان أحمر الشفاه ولمعان القرط الذهبي الكبير الذي يتدلى من أّذنيها. ابتسامتها المدروسة كانت تقف في وضع ملتبس ما بين ضحكة مقموعة لم يفرج عنها وتكشيرة لزوم “بريستيج” الطبقة الراقية التي حطت بها الرحال حديثاً بفضل موهبة زوجها في تسلق قمم المناصب بسرعة قياسية… هذه الطبقة الرفيعة المستوى التي يطلق عليها عادة من في قلبه غلّ وحسد: “طبقة الأثرياء الجدد”.
كانت عيناها المكحلتان برموشهما الاصطناعية مشغولتين في هذه الأثناء بالبحث عن مقعد لها ولزوجها في الصف الأمامي بجانب أعيان المدينة، من دون أن تنسى توجيه ابتسامتها للكاميرا من حين لآخر (الوجه ينبغي عرضه من الزاوية الفضلى، وهذا أمر خبرته السيدة خلال عمر كامل من الصور التي طالما منحتها جرعة إضافية من منسوب هرمون الاعتداد بالذات). لكن المصورين “الأشرار” كانوا في تلك اللحظة يلتقطون صوراً لوجوه معروفة من ممثلين ومطربين وسينمائيين سبق لهم أن رأوهم في التلفزيون… ضايقها في البداية أن تبتعد عنها الأضواء على الرغم من أن رصيدها في البنك والحلي الغالي الذي ترتديه والمشاريع المستقبلية، تتجاوز بكثير ما يملكه هؤلاء الأغبياء المتنطعون.
انتبهت لوجود كاميرا القناة الثانية وكاميرا القناة الأولى فهمت أنّهما هنا من أجل تغطية ستبث في النشرة. استدارت بكامل جسدها في مواجهة الكاميرا، ولما تأكدت من أنّها موجودة في الحقل البصري لهذه الأخيرة، انحنت بحركة مسرحية لتهمس كلاماً ما في أذن زوجها؛ حتى توهم كلّ من يراقبها (في الواقع لم يكن يراقبها أحد) وكل من سيشاهدها في التلفزيون يوم غد أنّ علاقة حبّ أبدية تجمعها بشريك حياتها، وأنّ كلّ ما يقال عن فساده وانتهازيته ومغامراته النسائية ولياليه الحمراء مجرد شائعات… ثمّ رفعت وجهها في وجه الكاميرا وضحكت تلك الضحكة التي تشبه صوت انزلاق نقود من جيب مثقوب وارتطامها بإسفلت بارد…
“المجد يأتي بالمال والمال يأتي بالمجد”
هذه هي فلسفة حياة السيدة وزوجها.
لأنّ المال لا معنى له من دون مجد، ينبغي أن يجد لنفسه وبسرعة انعكاساً في نظرات الآخرين: عندما تمرّ أمامهم بثوبها “السينييه” الذي اقتنته من باريس، وعندما يفوح عطرها الذي يسبقها بمسافة ثلاثة أمتار كلما تحركت.
صحيح أنّه يلزمها بعض الوقت لتتخلص من الرطانة المضحكة عندما تنطق بالفرنسية، وتتعلم بعض الكلمات بالإنجليزية،  حتّى توهم محدثيها أنّها من أصل أرستقراطي وبقليل من الحظ قد تجعلهم يعتقدون أنها من أصول أندلسية.
دراسة الأبناء بالخارج وكثرة العمرات خلال السنة نفسها مع الانخراط في نادي الكبار وقضاء العطل في أكثر المدن العالمية استعصاء على الرعاع الذين خرجت من بينهم ذات يوم… كل هذه تفاصيل أساسية لتكتمل الصورة.. الصورة التي ستنشر وسائل الإعلام.. صورة المجد والنجاح الاجتماعي الذي تقول من خلاله السيدة زوجة حضرة المحترم لكلّ الحاقدين عليها:
 “أنا جميلة وسعيدة وثرية وزوجي يحبّني و… موووووتو بالسّمّ”.
 

Publication Date